26 - 05 - 2026

كلام والسلام | ياسيدة عائشة .. مدد

كلام والسلام | ياسيدة عائشة .. مدد

حزين مهموم متكدر.. كل من تسوقه الصدفة.. للمرور بميدان السيدة عائشة هذه الأيام.

صحراء جرداء افترشت الميدان.. الذى كان يعج بالبشر والحجر.. وبحياة لا تنام 24 ساعة في اليوم.

تهدأ أحياناً مع صوت المؤذن يدعوك لصلاة الفجر من مسجدها العامر.. ليعود الصخب والضجيج.. في الموقف المكتظ بالبشر دون توقف.

والباعة من كل صوب.. خاصة مع سوق الجمعة الذى كان عامرا بكل شيء.. من الإبرة للصاروخ.

أو بزيارات لا تنقطع من الأهل لأحباب.. فارقتهم حياتهم ولم تفارقهم أرواحهم.. حيث كانوا يرقدون في سلامهم الأخير تحت ثرى مقابر.. بنيت من مئات السنين.

أو بدعوات أهالينا من بحرى وقبلي وهم يقومون بزيارتهم المعتادة للسيدة عائشة المسجد. ومن خلفها بعدة شوارع.. التقاء أهل بيتها.. في شارع الأشراف المؤدي لمسجد السيدة نفيسة العامر بالمحبين والمريدين.

أو بروح المكان من شارع الصليبة مرورا بمسجدي الرفاعى والسلطان حسن وقبور الأسرة المالكة والحطابة ودرب التبانة ومدرسة بنبة قادم.

أو بمجالسة الزمن الجميل وأهل البلد الحقيقيين أبا عن جد ..كعادة أهل مناطقنا الشعبية.. في طول القاهرة وعرضها.

تغير المشهد تماما.

قالوا لك تطوير.

وتفاءل الناس خيرا، فالتطوير مطلوب للبشر قبل الحجر.. ولتحسين ظروفه الصعبة أحيانا، والمأزومة غالبا.. والتى لا يعوضهم عنها إلا سحر المكان . وعشرة الأحباب والجيران.. عبر عقود.

هنا ولد أجدادهم وآباؤهم وهنا كان سينوى أولادهم.. مواصلة الرحلة.

ولكن التطوير.. طال الحجر ولم يطل البشر.

صدرت قرارات بالهدم.. مساكن محلات أسواق مقاهى مطاعم. وحتى عمارات الأوقاف بالقرب من المكان.. والتي بناها عبدالناصر للفقراء هناك.

أزالوا المقابر.. لإنشاء طريق أوسع. وهدمت مساكن كانت ملاصقة له، بدعوى التطوير.

نقلوا سوق الجمعة وموقف السرفيس والأتوبيس، لمكان بعيد شاق .. علي كبار السن والنساء. ولجيوبهم الخاوية غالبا.

لا توجد مساكن أو محلات بديلة لهم، ولكن تعويضات لا تسمن من جوع.. لم يصرف معظمها حتى الآن.

بين عشية وضحاها، ضاع العمر كله وذكرياته الجميلة والأليمة هنا، وضاع عبق وروح مكان.. كان عشوائيا للإهمال الذى طاله لعقود. وكان عامرا بحب الناس وترابطهم.. كعادة أهل المناطق الشعبية.

التطوير مطلوب، ولكنه قاس. إذا كان تطويرها للحجر وليس البشر. وإهدارا لأبسط حقوقهم في الحصول علي سكن بديل أو تطوير مساكنهم في ذات المكان والحفاظ علي ذاكرتهم وتاريخهم.

أو لتعويضهم ماديا بمقابل مناسب، في ظل إيجارات وتمليك للمساكن. يعجز عنها القادر، فما بالك بصاحب ضيق اليد. والعيش باليوم بيومه.

التطوير مطلوب.. ولكن ليس علي حساب إزعاج الموتى.. في رقدتهم الأخيرة.
---------------------------------
بقلم: خالد حمزة
[email protected]


مقالات اخرى للكاتب

كلام والسلام | ياسيدة عائشة .. مدد